~ Ă ω т α я }
01-30-2009, 11:08 PM
http://www.7br1.com/uploaded/838_1233349082.jpg (http://www.7br1.com/uploaded/838_1233349082.jpg)
آن !
ممرٌ طويل لا ينتهي إلا بنافذة عالية وصغيرة جداً , نافذة في أعلى حافتها الأخرى للخارج يبدو عش لحمامة , إذا رأيت ثم رأيت فسيغدو وجود الرب فكرة حقيقة ممثلة في غبش حمامة تقف وتطير وتبيض بألم وأنت تراقب فقط ! في طرف الممر الآخر طاولة نصف مستديرة , عالية أيضاً وليست صغيرة , تجلس من بعدها ممرضة صغيرة وبيضاء كالحمامة أيضاً, وكأن الممر كرة مستطيلة يتقاذفها البياض الخامل.
الممرضة أيضاً لاتبدو ملامحها واضحة , فلاحزن ولا اكتئاب يرتسم كخطين متوازيين بين حاجبيها , لا فرح ولا دهشة ترتسم على شفتيها بدائرة تتسع لتكون ابتسامة , هي محايدة دائماً عندما تراها ستقسم قسماً خاشعاً بأن لاتشرك في أمرك أحداً سواك , فثمة أُناس عندما تراهم تقرأ عبارات ونصوص لا أكثر. ربما لأني خطٌ رماديٌ طويل يمتد على خاصرة جدارٍ أزرقٍ باهت , أقول ربما لأني لونٌ يمتد على جدار فأنا لا أرى في الآخرين إلا جدراً مشيدة تُغري بالتمدد عليها أيضاً . بعضٌ مني مقشر وقابل للسقوط فتات , يبدو بأني رُسمت منذ زمن طويل وبإهمال , أو ربما هوس البعض في أن يسير ماداً سبابته والوسطى لتحسسي حتى لا يضيع وكأني عصاه جعلني أبهت بجفاف عرقه !
حكاياتٌ كثيرة أعرفها , حكاياتٌ كثيرة أنساها وأتناساها , فذاكرتي خمسة سنتيمتر فقط بعرضي , وطولها ممتدٌ بطول هذا الممر وغرفه ( لاتُغلق الأبواب دوني , و لا ينزعني المجانين هنا ويرمونني في الخارج كما يفعلوا دوما بزوراهم ) وثمة
حزنٌ وفضول ينهشني للغرفة (1) التي مُنعت من دخولها منذ زمن , الغرفة التي أُغلق بابها للأبد بدعوى أن روح شيطانة تسكنها, فالشياطين دائماً تنصب رمزاًَ لأجل اللاإجابة , والتجويف من ثرثرة الاستفهام !
فمنذ أعوام عديدة أُخرجَت من تلك الغرفة بيدين صغيرتين كانت لهما رائحة اللبن والسمسم , رُحّلت منها ودماء من بعدي بقيت كأثر لايندمل وعرقٌ له رائحة الخوف المرتجف كانت طفلةٌ تنزعني لألا تنزع جلدها . لا أدري لِمَ أذكر الحكاية اليوم , ربما لأنه ذات الصباح الكئيب , لأن الحمامة لم تتحرك بعد , ربما لأن الممرضة المغشي عليها نوماً بدت أكثر وداً حد أن تشبه ممرضة كانت هنا ذات صباح غادر !
وذات فجر فُتح باب هذه الغرفة فرسم ضوء الممر خطٌ مستقيم على جدارها المظلم , وقفت طفلةٌ في الثانية عشرة على بابها , وقفت طويلاً قبل أن تشق بعينها اليسرى الممر لتتفقد وجود الممرضة التي ما أن رأتها حتى أشارت لها بسبابتها اليسرى أيضاً أن " تعالي " . وما أن وقفت الممرضة بطريقة أوتوماتيكية لمساعدة مرضاها, حتى شعرت بخوف وفرح يتمازجان بمغص في بطنها وانقباض في الصدر , فتلك الطفلة لا تتحدث أحداً , لا تبتسم لأحد , وعندما تزعجها الممرضات بأسئلتهن عن أهلها لا ترد إلاّ " أكرهكن " , فكيف تأتى لتلك الطفلة التي تبدو مسالمة أن تتوحش بكره لمن يسألها ؟.تلك الطفلة التي تبقى طيلة النهار تبحلق في خط مستقيم وفي نقطة بعيدة , تقترب , وتقترب , وهي تغمض عينيها بسرعة حتى تدرك تناهيها , فالبقاء معها كالتأمل في دوامة تتبع دوائرها حتى يغمي عليك ! ففي يوم كان الفراغ عجينة لدنة تشكلها الممرضات للضحك فقط , فتراهن أيهنّ الأقدر على تتبع رموش عينيها لتعد كم طرفة عين في الدقيقة .. ولما يئسن من الفوز اختصرن عداتهن للثانية فاتفقت ثلاث منهن دون الرابعة أنها خمس طرفات في الثانية , وكان نصيبهن حبات من أسبيرين تهدئ رؤوسهن المتعبة من تقفي أثر الطفلة.
خطت الممرضة الممر وسبابتها والوسطى من يدها اليسرى تمسد ظهري الرمادي , كنت أشم رائحة عرق يديها المرتعبة التي فركتها بقميصها الأبيض قبل أن تدفع الباب داخلة . أغلقت الطفلة الباب منزعجة من الضوء الذي تبجح على جدرانها , ولكن آخر خيط من الضوء امتد على جسدها العاري الذي انتزع كل اطمئنان من روح الممرضة. تلك المتوحدة مابالها تتصرف بغرابة وتنظر للنافذة بترقب وكأنها توجس من شيء , تقترب من النافذة ويدها بيد الممرضة المتعرقة قلقاً , تفتح النافذة تُخرج رأسها وتبحلق في نقطة بعيدة جداً تأخذ في الاقتراب منها سريعاً , فتصغر وتصغر وتتلاشى لتظهر من بعيد مرة أخرى , كانت تغمض عينيها بطريقة سريعة - خمس مرات في الثانية تقريباً كما اتفقن الممرضات من قبل - وتقول " في كل لمحة بصر تموت الكائنات وتحيا , عشوائية عشوائية , تخيفني !" , لم تفهم الممرضة شيئا منها حتى بعد أن دربتها الصغيرة على التجسس على كائناتها اللا مرئية !
وقفت الطفلة في منتصف غرفتها وأضاءت مصباحها الأصفر في زاوية السقف فوق الباب, فقالت للمرضة التي رغم محاولاتها لمداراة ضعفها إلا أن إصفرار وجهها وارتعاش شفتيها يفضحانها :
_ انظري جيداً للمبة الدائرية الصفراء , هل فعلتِ ؟
بعد تردد ومحاولة في تجميع تشتتها حول بؤرة الضوء قالت الممرضة : نعم !
_ حسناً , انزلي ببصرك الآن وأغمضي عينيك عدة مرات بطريقة سريعة , هل فعلتِ ؟
ربما كانت تكذب على الطفلة التي لاتراها لأنها تقف أمامها حينما قالت : نعم !
_ مالذي رأيتيه ؟
لم تجب بشيء , فقالت الطفلة بحماس يبدو متناقضاً مع خوفها وتوحدها قبل دقائق :
_ إنها كائنات صغيرة , لها رأسٌ عشوائي بلا عينين ولا أذنين ولا فم أيضاً , رأس هو عدة عقد وكأنه شعرٌ منكوش أو خيطٌ حديدي دقيق جداً بلون ليلكي , جسدها خطٌ واحد طويل ينتهي بتفرعين أصغر كأنه قدمين , وثمة تفرعين بعد الرأس بقليل كأنه يدين , كائنات صغيرة لا تمشي إلا للأمام , لا تعود ولا تلتفت ورائها, هل رأيتِ ذلك ؟
شعرت الممرضة بجدية الفتاة وربما بجنونها معاً, فقالت بحدة : لا !
ابتسمت الفتاة بقلق وسحبت الممرضة معها لطرف السرير حيث جلستا :
_ علمت أنك لم تريها , لا عليك ولا تحزني , هي لا ترى مباشرة ومن أول وهلة , الآن سأُخاطر أكثر وابتعد قليلاً لأجعلها تنزل من الجدار على أرض الغرفة , أعلم أنها ستهرشني طويلاً ولكن لا أريد أن أموت وأنا أظن أني مجنونة وأني انتمي لزوالها الخاطف .
_ لا , أنتِ لست مجنونة , لا تنسِي أنك رسمت أجمل لوحة وعلقت على بوابة المستشفى . لوحتك " آن" كانت تحفة فنية رائعة .
قفزت الطفلة من مكانها وكأنها إبليس بُشر بالجنة :
_ نعم .. نعم .. هل رأيت تلك اللوحة ؟ إنها تشبه تماماً الكائنات التي أراها , رسمتها لأتخلص منها ولكنها لعنة تطاردني .
هنا , لمحت الممرضة جروحٌ على وجه الطفلة وجسدها , هنا اشتمت الممرضة رائحة دمٍ لم ييبس بعد ,خطوط حمراء طولية متقاطعة على جسدها الصغير العاري , ارتعاش جسدها واضطراب صوتها ينبئ بليلة سهر طويلة مع العذاب . وقفت الممرضة بعجل بعدما حملقت بجسد الطفلة الذي لم تره في بداية دخولها الغرفة حين كانت الظلمة مستعمرة للستر والموارة , أرادت أن تأتي بضمادات من أجل الطفلة , التي بكت لأول مرة وقالت لها من بين حشرجاتها المتقطعة :
_ أتعلمين لِمَ يقف شعر يديك , أتعلمين لِمَ تحكين جلدك حتى وإن لم تزعجك حشرة , أتعلمين لِمَ تستيقظين بخوف بعد أن تنامي على حافة الطاولة فترين في الحلم أنك تسقطين في الهاوية ؟
_ ....
_ إنها هذه الكائنات التي أسميتها " آن " وهي من تفعل كل ذلك .
_ " آن " ؟
_ لأنها جزء من زمن يمر بعجل , أترين كل تلك الساعات المعلقة أمام سرير إنها هدايا من أهلي , من رحمها تتوالد "آن "ً .
قامت تلك الطفلة البائسة إلى ساعاتها وبدأت تكسرها وتنزع عقاربها وتُصمت تكتكاتها النزقة , فعلت كل ذلك بيدٍ واحدة وأخرى تحك بها رقبتها بألم , فعلت كل ذلك وهي تبادل وقوفها على إحدى قدميها وكأنها تمر على نار أو شظـايا زجاج ورعدات خوف مستمر !
_ سأدعو الطبيب وسيأتي حالاً , يبدو أنك متعبة جداً يا آن .
خرجت الممرضة تركض وتركت الباب مفتوح من بعدها ,.تحسست الطفلة جسدها برعب _ كأن إبليسها رُدّ من باب الجنة بسخرية من رضوانها_ وبدأت تحك .. تحك .. تهرش .. تجرح .. تصرخ وهي تقول :
_ نادتني تلك الممرضة اللعينة بـ " آن " !!
انكفأت خلف باب الغرفة حيث بقعة من عتمة منسية هناك , لفت جسدها الهزيل بيديها الصغيرتين , لم تبقَ على طمأنيتها طويلاً إذ بدأت كائناتها تسقط من اللمبة فوقها على رأسها ثم تتدحرج على انحناءات جسدها , لم أرَ تلك الكائنات النزقة ولكني رأيت أظفارها تتغلغل في شعرها المبعثر , رأيت أصابعها الصغيرة تقتلع شعرها , وتُدخل أظفر سبابتها تحت جلدها المحمر فتنزعه وكأنه قطعة صلصال ملت شكلها .. رفعت عينيها للضوء الأصفر , ارتفع خدها الأيمن في نصف ابتسامة ساخرة ومتحدية , قبل أن تقفز من مكانها وتركض لنافذتها , فخبأتُ عيناي تحت يدي عندما غشيتني عتمة باهرة لمعانقة ضوء الشمس ضوء اللمبة , فلم أرفع يدي حتى سقطت علي يد الممرضة وبقع من صرختها قبل أن يغمى عليها بكاءً !
قصة راقت لي كثيراً لما حوت من عمق وحس أدبي راقي جمالي ،
لـ / الرائعة سهام الدهيم ..
فـ أتمنى أن تحوز إعجابكم وتصل إلى ذائقتكم الساميه ..
~ Ă ω т α я }
آن !
ممرٌ طويل لا ينتهي إلا بنافذة عالية وصغيرة جداً , نافذة في أعلى حافتها الأخرى للخارج يبدو عش لحمامة , إذا رأيت ثم رأيت فسيغدو وجود الرب فكرة حقيقة ممثلة في غبش حمامة تقف وتطير وتبيض بألم وأنت تراقب فقط ! في طرف الممر الآخر طاولة نصف مستديرة , عالية أيضاً وليست صغيرة , تجلس من بعدها ممرضة صغيرة وبيضاء كالحمامة أيضاً, وكأن الممر كرة مستطيلة يتقاذفها البياض الخامل.
الممرضة أيضاً لاتبدو ملامحها واضحة , فلاحزن ولا اكتئاب يرتسم كخطين متوازيين بين حاجبيها , لا فرح ولا دهشة ترتسم على شفتيها بدائرة تتسع لتكون ابتسامة , هي محايدة دائماً عندما تراها ستقسم قسماً خاشعاً بأن لاتشرك في أمرك أحداً سواك , فثمة أُناس عندما تراهم تقرأ عبارات ونصوص لا أكثر. ربما لأني خطٌ رماديٌ طويل يمتد على خاصرة جدارٍ أزرقٍ باهت , أقول ربما لأني لونٌ يمتد على جدار فأنا لا أرى في الآخرين إلا جدراً مشيدة تُغري بالتمدد عليها أيضاً . بعضٌ مني مقشر وقابل للسقوط فتات , يبدو بأني رُسمت منذ زمن طويل وبإهمال , أو ربما هوس البعض في أن يسير ماداً سبابته والوسطى لتحسسي حتى لا يضيع وكأني عصاه جعلني أبهت بجفاف عرقه !
حكاياتٌ كثيرة أعرفها , حكاياتٌ كثيرة أنساها وأتناساها , فذاكرتي خمسة سنتيمتر فقط بعرضي , وطولها ممتدٌ بطول هذا الممر وغرفه ( لاتُغلق الأبواب دوني , و لا ينزعني المجانين هنا ويرمونني في الخارج كما يفعلوا دوما بزوراهم ) وثمة
حزنٌ وفضول ينهشني للغرفة (1) التي مُنعت من دخولها منذ زمن , الغرفة التي أُغلق بابها للأبد بدعوى أن روح شيطانة تسكنها, فالشياطين دائماً تنصب رمزاًَ لأجل اللاإجابة , والتجويف من ثرثرة الاستفهام !
فمنذ أعوام عديدة أُخرجَت من تلك الغرفة بيدين صغيرتين كانت لهما رائحة اللبن والسمسم , رُحّلت منها ودماء من بعدي بقيت كأثر لايندمل وعرقٌ له رائحة الخوف المرتجف كانت طفلةٌ تنزعني لألا تنزع جلدها . لا أدري لِمَ أذكر الحكاية اليوم , ربما لأنه ذات الصباح الكئيب , لأن الحمامة لم تتحرك بعد , ربما لأن الممرضة المغشي عليها نوماً بدت أكثر وداً حد أن تشبه ممرضة كانت هنا ذات صباح غادر !
وذات فجر فُتح باب هذه الغرفة فرسم ضوء الممر خطٌ مستقيم على جدارها المظلم , وقفت طفلةٌ في الثانية عشرة على بابها , وقفت طويلاً قبل أن تشق بعينها اليسرى الممر لتتفقد وجود الممرضة التي ما أن رأتها حتى أشارت لها بسبابتها اليسرى أيضاً أن " تعالي " . وما أن وقفت الممرضة بطريقة أوتوماتيكية لمساعدة مرضاها, حتى شعرت بخوف وفرح يتمازجان بمغص في بطنها وانقباض في الصدر , فتلك الطفلة لا تتحدث أحداً , لا تبتسم لأحد , وعندما تزعجها الممرضات بأسئلتهن عن أهلها لا ترد إلاّ " أكرهكن " , فكيف تأتى لتلك الطفلة التي تبدو مسالمة أن تتوحش بكره لمن يسألها ؟.تلك الطفلة التي تبقى طيلة النهار تبحلق في خط مستقيم وفي نقطة بعيدة , تقترب , وتقترب , وهي تغمض عينيها بسرعة حتى تدرك تناهيها , فالبقاء معها كالتأمل في دوامة تتبع دوائرها حتى يغمي عليك ! ففي يوم كان الفراغ عجينة لدنة تشكلها الممرضات للضحك فقط , فتراهن أيهنّ الأقدر على تتبع رموش عينيها لتعد كم طرفة عين في الدقيقة .. ولما يئسن من الفوز اختصرن عداتهن للثانية فاتفقت ثلاث منهن دون الرابعة أنها خمس طرفات في الثانية , وكان نصيبهن حبات من أسبيرين تهدئ رؤوسهن المتعبة من تقفي أثر الطفلة.
خطت الممرضة الممر وسبابتها والوسطى من يدها اليسرى تمسد ظهري الرمادي , كنت أشم رائحة عرق يديها المرتعبة التي فركتها بقميصها الأبيض قبل أن تدفع الباب داخلة . أغلقت الطفلة الباب منزعجة من الضوء الذي تبجح على جدرانها , ولكن آخر خيط من الضوء امتد على جسدها العاري الذي انتزع كل اطمئنان من روح الممرضة. تلك المتوحدة مابالها تتصرف بغرابة وتنظر للنافذة بترقب وكأنها توجس من شيء , تقترب من النافذة ويدها بيد الممرضة المتعرقة قلقاً , تفتح النافذة تُخرج رأسها وتبحلق في نقطة بعيدة جداً تأخذ في الاقتراب منها سريعاً , فتصغر وتصغر وتتلاشى لتظهر من بعيد مرة أخرى , كانت تغمض عينيها بطريقة سريعة - خمس مرات في الثانية تقريباً كما اتفقن الممرضات من قبل - وتقول " في كل لمحة بصر تموت الكائنات وتحيا , عشوائية عشوائية , تخيفني !" , لم تفهم الممرضة شيئا منها حتى بعد أن دربتها الصغيرة على التجسس على كائناتها اللا مرئية !
وقفت الطفلة في منتصف غرفتها وأضاءت مصباحها الأصفر في زاوية السقف فوق الباب, فقالت للمرضة التي رغم محاولاتها لمداراة ضعفها إلا أن إصفرار وجهها وارتعاش شفتيها يفضحانها :
_ انظري جيداً للمبة الدائرية الصفراء , هل فعلتِ ؟
بعد تردد ومحاولة في تجميع تشتتها حول بؤرة الضوء قالت الممرضة : نعم !
_ حسناً , انزلي ببصرك الآن وأغمضي عينيك عدة مرات بطريقة سريعة , هل فعلتِ ؟
ربما كانت تكذب على الطفلة التي لاتراها لأنها تقف أمامها حينما قالت : نعم !
_ مالذي رأيتيه ؟
لم تجب بشيء , فقالت الطفلة بحماس يبدو متناقضاً مع خوفها وتوحدها قبل دقائق :
_ إنها كائنات صغيرة , لها رأسٌ عشوائي بلا عينين ولا أذنين ولا فم أيضاً , رأس هو عدة عقد وكأنه شعرٌ منكوش أو خيطٌ حديدي دقيق جداً بلون ليلكي , جسدها خطٌ واحد طويل ينتهي بتفرعين أصغر كأنه قدمين , وثمة تفرعين بعد الرأس بقليل كأنه يدين , كائنات صغيرة لا تمشي إلا للأمام , لا تعود ولا تلتفت ورائها, هل رأيتِ ذلك ؟
شعرت الممرضة بجدية الفتاة وربما بجنونها معاً, فقالت بحدة : لا !
ابتسمت الفتاة بقلق وسحبت الممرضة معها لطرف السرير حيث جلستا :
_ علمت أنك لم تريها , لا عليك ولا تحزني , هي لا ترى مباشرة ومن أول وهلة , الآن سأُخاطر أكثر وابتعد قليلاً لأجعلها تنزل من الجدار على أرض الغرفة , أعلم أنها ستهرشني طويلاً ولكن لا أريد أن أموت وأنا أظن أني مجنونة وأني انتمي لزوالها الخاطف .
_ لا , أنتِ لست مجنونة , لا تنسِي أنك رسمت أجمل لوحة وعلقت على بوابة المستشفى . لوحتك " آن" كانت تحفة فنية رائعة .
قفزت الطفلة من مكانها وكأنها إبليس بُشر بالجنة :
_ نعم .. نعم .. هل رأيت تلك اللوحة ؟ إنها تشبه تماماً الكائنات التي أراها , رسمتها لأتخلص منها ولكنها لعنة تطاردني .
هنا , لمحت الممرضة جروحٌ على وجه الطفلة وجسدها , هنا اشتمت الممرضة رائحة دمٍ لم ييبس بعد ,خطوط حمراء طولية متقاطعة على جسدها الصغير العاري , ارتعاش جسدها واضطراب صوتها ينبئ بليلة سهر طويلة مع العذاب . وقفت الممرضة بعجل بعدما حملقت بجسد الطفلة الذي لم تره في بداية دخولها الغرفة حين كانت الظلمة مستعمرة للستر والموارة , أرادت أن تأتي بضمادات من أجل الطفلة , التي بكت لأول مرة وقالت لها من بين حشرجاتها المتقطعة :
_ أتعلمين لِمَ يقف شعر يديك , أتعلمين لِمَ تحكين جلدك حتى وإن لم تزعجك حشرة , أتعلمين لِمَ تستيقظين بخوف بعد أن تنامي على حافة الطاولة فترين في الحلم أنك تسقطين في الهاوية ؟
_ ....
_ إنها هذه الكائنات التي أسميتها " آن " وهي من تفعل كل ذلك .
_ " آن " ؟
_ لأنها جزء من زمن يمر بعجل , أترين كل تلك الساعات المعلقة أمام سرير إنها هدايا من أهلي , من رحمها تتوالد "آن "ً .
قامت تلك الطفلة البائسة إلى ساعاتها وبدأت تكسرها وتنزع عقاربها وتُصمت تكتكاتها النزقة , فعلت كل ذلك بيدٍ واحدة وأخرى تحك بها رقبتها بألم , فعلت كل ذلك وهي تبادل وقوفها على إحدى قدميها وكأنها تمر على نار أو شظـايا زجاج ورعدات خوف مستمر !
_ سأدعو الطبيب وسيأتي حالاً , يبدو أنك متعبة جداً يا آن .
خرجت الممرضة تركض وتركت الباب مفتوح من بعدها ,.تحسست الطفلة جسدها برعب _ كأن إبليسها رُدّ من باب الجنة بسخرية من رضوانها_ وبدأت تحك .. تحك .. تهرش .. تجرح .. تصرخ وهي تقول :
_ نادتني تلك الممرضة اللعينة بـ " آن " !!
انكفأت خلف باب الغرفة حيث بقعة من عتمة منسية هناك , لفت جسدها الهزيل بيديها الصغيرتين , لم تبقَ على طمأنيتها طويلاً إذ بدأت كائناتها تسقط من اللمبة فوقها على رأسها ثم تتدحرج على انحناءات جسدها , لم أرَ تلك الكائنات النزقة ولكني رأيت أظفارها تتغلغل في شعرها المبعثر , رأيت أصابعها الصغيرة تقتلع شعرها , وتُدخل أظفر سبابتها تحت جلدها المحمر فتنزعه وكأنه قطعة صلصال ملت شكلها .. رفعت عينيها للضوء الأصفر , ارتفع خدها الأيمن في نصف ابتسامة ساخرة ومتحدية , قبل أن تقفز من مكانها وتركض لنافذتها , فخبأتُ عيناي تحت يدي عندما غشيتني عتمة باهرة لمعانقة ضوء الشمس ضوء اللمبة , فلم أرفع يدي حتى سقطت علي يد الممرضة وبقع من صرختها قبل أن يغمى عليها بكاءً !
قصة راقت لي كثيراً لما حوت من عمق وحس أدبي راقي جمالي ،
لـ / الرائعة سهام الدهيم ..
فـ أتمنى أن تحوز إعجابكم وتصل إلى ذائقتكم الساميه ..
~ Ă ω т α я }